قدّم الكاتب جوركان ديمير قراءة تحليلية موسّعة لتطور ما وصفه بـ”آلة الحرب الرقمية الإسرائيلية”، موضحًا كيف تحولت أدوات التواصل الحديثة إلى ساحة صراع موازية تُستخدم فيها المعلومات كسلاح سياسي وعسكري في سياق الحرب على غزة.
وأفاد تقريره الذي نشرته تي آر تي وورلد أن البنية الدعائية الرقمية الإسرائيلية، المعروفة تاريخيًا بمفهوم “الهاسبارا”، دخلت مرحلة جديدة من التطور بعد عام 2006، وصولًا إلى الحرب الحالية على غزة، حيث تصاعدت عمليات التأثير الإعلامي المنظم بالتوازي مع توسع العمليات العسكرية وتزايد الجدل الدولي حول الرواية الإسرائيلية للأحداث.
التحول من الدعاية التقليدية إلى الحرب الرقمية
اعتمدت إسرائيل على دمج مفهوم “الهاسبارا” مع البنية الرقمية الحديثة، لتطوير منظومة واسعة لإدارة الرأي العام العالمي، تشمل بيانات رسمية وحملات على وسائل التواصل الاجتماعي وتنسيقًا إعلاميًا متعدد اللغات، إضافة إلى شبكات مؤثرين تعمل ضمن حملات موجهة.
وتوسع هذا النهج بشكل ملحوظ بعد حرب لبنان عام 2006، عندما أدركت إسرائيل تأثير البث المباشر من ساحة المعركة في تشكيل الرأي العام الدولي. وتزايدت الاستثمارات في هذا المجال خلال عمليات غزة بين 2008 و2009، ثم بلغت مستويات أعلى خلال حرب 2014، مع إطلاق أدوات رقمية مخصصة لحشد الدعم وتوجيه الخطاب الإعلامي.
وفي السنوات الأخيرة، وخصوصًا بعد أحداث 7 أكتوبر، ضاعفت إسرائيل ميزانياتها المخصصة للدعاية الرقمية لتصل إلى مئات الملايين من الدولارات، مع إنشاء وحدات حكومية متخصصة لإدارة المحتوى الموجه عبر المنصات العالمية، وتكثيف الإعلانات الرقمية الموجهة للجمهور الدولي.
حرب غزة وتآكل السيطرة على الرواية
أظهر التقرير أن الحرب على غزة كشفت حدود هذه المنظومة الدعائية، رغم قوتها التقنية واتساعها التنظيمي، إذ ساهم انتشار الهواتف الذكية والبث المباشر من داخل القطاع في نقل صور ميدانية واسعة النطاق للأحداث، ما أضعف قدرة أي طرف على احتكار الرواية.
وساهمت التغطيات المستقلة وشهادات المدنيين في خلق واقع إعلامي متوازي يصعب التحكم فيه، الأمر الذي دفع العديد من وسائل الإعلام الدولية إلى مراجعة مصادرها وتصحيح تقارير سابقة بعد اكتشاف معلومات غير دقيقة.
كما أشار التحليل إلى أن تزايد الفجوة بين الخطاب الرسمي والواقع الميداني أدى إلى تراجع الثقة في الرواية الإسرائيلية لدى قطاعات واسعة من الجمهور العالمي، خاصة مع استمرار التصعيد العسكري واتساع نطاق الخسائر الإنسانية في غزة.
الدبلوماسية الرقمية وصراع التأثير الدولي
توسع استخدام إسرائيل للغات متعددة في خطابها الرقمي، بما في ذلك إنشاء حسابات رسمية باللغة التركية، في خطوة تعكس توجهًا نحو استهداف جماهير بعينها في دول ذات توتر سياسي مع تل أبيب.
وسجل التقرير أمثلة على هذا التوجه عبر نشاط إعلامي مكثف على منصات التواصل الاجتماعي، شمل رسائل مباشرة موجهة إلى قادة سياسيين في المنطقة، بما في ذلك تركيا، ما اعتُبر جزءًا من استراتيجية إدارة الأزمات عبر الفضاء الرقمي وليس مجرد تواصل دبلوماسي تقليدي.
ويرى التحليل أن هذا النمط من “الدبلوماسية الرقمية الصدامية” يعكس تحوّل الصراع من ساحات القتال التقليدية إلى فضاء المعلومات، حيث تُستخدم البيانات والمحتوى المصور والتفاعل الرقمي كأدوات تأثير مباشر في الرأي العام وصناعة المواقف السياسية.
وفي المقابل، يوضح التقرير أن هذه الاستراتيجية تواجه تحديات متزايدة، أبرزها صعوبة السيطرة على تدفق المعلومات، وتراجع قدرة الخطاب الموجه على الصمود أمام التوثيق اللحظي من الأرض، إضافة إلى دخول المؤسسات القانونية الدولية على خط الأحداث، ما جعل بعض المواد الرقمية تتحول إلى أدلة قانونية بدل أن تكون أدوات دعائية.
ويخلص التحليل إلى أن الحرب الرقمية، رغم قوتها وانتشارها، لم تعد قادرة على احتكار الحقيقة أو تشكيلها بالكامل، في ظل بيئة إعلامية عالمية أكثر انفتاحًا وسرعة، ما يفرض على الدول إعادة النظر في حدود تأثيرها داخل الفضاء الرقمي العالمي.
https://www.trtworld.com/article/72114fa5f6dd

